السبت، ٢٥ أبريل ٢٠٠٩

دور الإلحاد فى وجودية سارتر

ورقة عن

دور الإلحاد فى وجودية سارتر

بقلم :احمد حمدى حسن حافظ

ملتقى دروب الفكرى

تصدير

ماذا أفعل ؟

سؤالك انت وحدك سيدى

وستجيب عليه وتتحمل النتائج وحدك

ولن ادع فرصة

توهمك بأنك سجين للحتميات

التى لا وجود لها

أغمضوا أعينكم

أغلقوا آذانكم

ترون العالم كله يتجول

بين قلوبكم وعقولكم

بأستطاعتكم التخيل

اعطاء قيمة للحياة

الإحساس بالحب

إيجاد المعرفة

كل شئ

ستجدونه بداخلكم بأعماقكم

حرروه..أطلقوه

تمهيد

" و لسوف يظل ديدن الفلسفة الوجودية منذ البداية وحتى النهاية رفض كل ما يمس فردانية الفرد." (1)

" يسير سارتر بمقولة الفردانية المحورية فى الفلسفة الوجودية إلى منتهاها..إلى الهجر والإلحاد ..الانسان وحيد تماما ومهجور فى هذا الكون ،لا اله يقيم معه شيئا من التواصل " (2)

عندما يلوح فى الأفق سؤال مثل أيهما أكثر وجودية : الوجودية الإلحادية أم الوجودية الإيمانية ؟ يكون من الافضل لنا ان نحدد المعيار الذى نقيس على اساسه نسبة الوجودية فى كلا من أنواعها ، علما أن هذا المعيار لابد أن يكون تعبيرا جوهريا عن صميم ماهية الفلسفة الوجودية ، وفى خضم التباس تعريفات الوجودية لا يكاد يكون هناك اختلافا على ان القضية الأساسية فى الفلسفة الوجودية هى تحرير الإنسان الفرد من كافة اشكال استلاب تلك الفردية ، أنها قضية الفردانية والحفاظ على الفرد من سطوة وسيطرة الحشد سواء كان ذلك الحشد هو المجتمع أو اعرافه أو كتلة الجماهير أو القيم الجاهزة أو سائر العموميات وكل ما من شأنه طمس الفرد و إفقاده حرية الاختيار ومسئولية هذا الاختيار

" ستظل الوجودية دائما حائز لنوط شرف فى صونها لفردانية الإنسان وحريته ضد أخطار قد تحيله الى مجرد راس فى القطيع بتعبير نيتشه أبرزها الآن نظام الدولة الشمولية ذات السلطة الجامعة ووسائل الإعلام الذائعة والضغوط التى يمارسها مجتمع الجماهير أو العقل الجمعى " (3)

أذن من الشرعى لنا أن نحول السؤال إلى أيهما اكثر فردانية :الوجودية الإلحادية أم الوجودية الإيمانية ؟

" وكما هو معلوم جيدا ، الوجودية السارترية بلغت ذروة الوجودية الملحدة ،تلك التى شق طريقها نيتشه ، وارسى أصولها النظرية الوطيدة مارتن هيدجر اعظم منظرى الوجود على الإطلاق " (4)

"يسير سارتر بمقولة الفردانية المحورية فى الفلسفة الوجودية إلى منتهاها ..إلى الهجر والإلحاد ..الإنسان وحيد تماما ومهجور فى هذا الكون ،لا اله يقيم معه شيئا من التواصل " (5) وهذا مبدأ فى الفلسفة الوجودية اسمه الاهمالية وهو نتيجة للإلحاد فى فلسفة سارتر وليس سببا كما سنوضح فى هذه الورقة ولكن هذا لا يعنى ان هذه النتيجة لا تتضمن الا بعدا فريدا للفردانية المطلقة كما تبدو فى الوجودية الإلحادية الذى لا تعترف إلا بالإنسان الفرد وهو سبب من ضمن الاسباب التى تجعلنا نقول أن الوجودية السارترية الإلحادية فردانية مطلقة ولكن هناك سببا آخر وأهم يجعلنا نقول ان الوجودية الإلحادية فردانية فعندما يأخذ الدين شكلا من أشكال القيم الجاهزة والعموميات السائدة ويتسرب فى العقل الجمعى ومجتمع الجماهير كتعليمات وأوامر مما يكون له دور فى سلب إرادة وحرية الفرد والقضاء على اختياره الحر ومسئوليته الحرة عن ذلك الاختيار وأحيانا كما نرى فى الدول الدينية يأخذ الدين شكلا من أشكال السلطة السياسية ذو التوجه الشمولى فعند حدوث ذلك تكون الوجودية الدينية نوعا من اللاوجودية على الاطلاق

أذن لنا أن نجيب على السؤال أيهما اكثر وجودية أو أيهما اكثر فردانية ؟ وبالبداهة الأولية أن الوجودية الإلحادية اكثر فردانية بل إنها فردانية مطلقة ومن ثم فهى الأكثر وجودية .

لكن يبقى فى داخلنا ولنكون صادقين مع انفسنا أمرا لابد أن يطرح يقول الله تعالى فى محكم آياته

" قالت الأعراب ءامنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان فى قلوبكم وإن تطيعو الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم " الحجرات 14

تطرح هذه الاية الكريمة إشكالية فلسفية كبرى مفادها أن هناك فرق بين الإيمان والدين ، وسأتقمص الآن دور الفيلسوف الذى يجيب ، وأقول أن الإيمان هو ما وقر فى القلب وصدقه العمل ،أى انه اختيار مبنى على أسس عاطفية ( والانسان مسئول عن عاطفته فى الفلسفة الوجودية عموما )، أذن الإيمان اختيار عاطفى قلبى أما الدين وهو فى اللغة من الحساب فهو تسليم وخضوع لتعليمات وأوامر تأخذ شكل الشرع أو الطريق فهى تحدد للإنسان أختياراته مسبقا .

وبهذا الفرق بين الإيمان والدين نستطيع أن نقول انه يستحيل وجود وجودية دينية لأنها ببساطة تسلب الفرد حريته فى الاختيار وتجعله منضوى تحت أوامر وتعليمات دينية وشرعية أما وجود وجودية إيمانية فهو الأمر الذى ربما يكون محل صدق لان الإيمان اختيار قلبى معتبر

و لما كان هناك فرق بين أن نقول وجودية دينية ووجودية إيمانية فإننا نستطيع أن نقول أن الوجودية الدينية أقل فردانية من الوجودية الملحدة وبالتالى فهى اقل وجودية أو مستحيلة الوجودية و لكن الوجودية الإيمانية تقف هنا موقفا حرجا فإذا كان الإيمان فرديا اختياريا ليس إيمانا ملزما باختيارات دينية محددة تأخذ شكل جمعى غير مدروس فهى تساوى الوجودية الملحدة من حيث فردانيتها

ببساطة من حق الإنسان الوجودى الإيمان بدين من الأديان ولك ليس من حقه التدين بدين من الأديان قد يبدو هذا كلاما غامضا ملتبسا ولكن إذا انتقلنا للواقع لوجدناه كلاما واضحا للغاية فكل الفلاسفة من أصحاب الوجودية المؤمنة كانوا يحملون ايمان داخلى عميق بأديانهم وكانوا يحملون رؤية فردية متميزة لهذه الديانات وهذا يجعلهم فردانيون أما من يحمل إيمانا سطحيا خارجيا بدين من الإديان ولا يحمل رؤية فردية متميزة لهذا الدين وينضوى تحت أوامر وتعليمات جمعية فهو ليس وجوديا على الإطلاق ربما يذكرنى هذا بتفرقه بعض المفكرين بين المسلم والمتأسلم حيث يكون الفرق بين الإيمان الداخلى القلبى والإيمان الخارجى المنضوى تحت سلطة المجموع ولهذا نقول أن الصوفية ولانهم كانوا يحملون إيمان فردى متميز بالدين وجوديون أما من انضوا تحت تأثير الدين دون ان يكون لهم هذه الرؤية والأيمان الفردين ليسوا بصوفية وليسوا بوجوديين

أذن نستطيع أن نسلك طريقا وسطا يقول بأنه لا فرق بين الوجودية المؤمنة والوجودية الملحدة ولكنه لا وجود لوجودية دينية إطلاقا بل أن هذه اقرب لخرافه أو لمزحة لانتفاء الفردية فيها مثلما كان لا فرق بين الصوفية والإلحاد عند أهل السنة والجماعة وآنا لنخشى أن نقول أن الوجودية المؤمنة هى الوجودية الحقة حتى لا يفتح ذلك الباب لوجود وجودية لا وجودية أصلا هى الوجودية الدينية

خلاصة ما نصبو إليه هنا ان الوجودية الإلحادية هى الوجودية بالألف واللام وان الوجودية المؤمنة لا تعدوا ان تكون موقفا داخليا فرديا فى هذا الإطار إطار الوجودية الملحدة .

مقدمة

ما هى العلاقة بين كون سارتر وجوديا وكونه ملحدا؟

وماذا كان يحدث من تغير جوهرى لو لم يكن سارتر ملحدا ؟

ألم تستقيم الوجودية وتصبح فعالة كتيار فكرى دون ان تكون ملحدة كما رأينا مع مؤسس الوجودية كيركجور وعند كل من يشكل تيار الوجودية المؤمنة ؟

أليس الإلحاد هذا زائد عن الحاجة فى الفلسفة الوجودية ولا يوجد فى الوجودية ما يبرر الالحاد ؟

كل هذه الصياغات المختلفة لسؤال هام وهو

هل لعب الإلحاد دورا جوهريا فى وجودية سارتر ؟

ام ان للإلحاد دورا ثانويا هامشيا فى تلك الفلسفة وانه زائد عن الحاجة ؟

هذا ما سنحاول الإجابة عليه فى تلك الورقة معتمدين على عرض سارتر ذاته لفلسفته الوجودية فى كتاب " الوجودية مذهب إنسانى "

وهذه هى حدود تلك الورقة البسيطة التى لا تطمح الى تقديم اى اضافة علمية ضخمة وانما تطمح فقط لمحاولة فض الالتباس بين كل من يفصل بين وجودية سارتر وبين إلحاده ويعتبر ان وجودية سارتر مطلوبة فى عالمنا العربى لتحرير الإنسان العربى ولكن بعيدا عن إلحاد سارتر الذى لا يمكن ان تتقبله الخصوصية الثقافية للثقافة العربية وهى مفارقة غريبة لأنها تفصل بين وجودية سارتر وإلحاده ولكننا كثيرا ما نجد مثل هذه المفارقة فى التقبل العربى لسارتر والذى لا يخلو من انحياز لسارتر ووجوديته نظرا لدوره فى بعض قضايا التحرر العربى – فى الجزائر مثلا – على حساب وجودية سارتر الإلحادية ذاتها وإننى اسعى اليوم لمحو ذلك الفصل بين وجودية سارتر وإلحادة وتقديم وجودية سارتر بالشكل الذى يلعب فيه الإلحاد دورا ودورا جوهريا كما سيتضح من هذه الورقة بحيث يصعب الفصل عند سارتر بين وجوديته وإلحاده .

الفصل الأول

مبدأ الوجود يسبق الماهية وعلاقته الحميمة بمقولة الإلحاد

يعتقد سارتر انه اذا كانت الوجودية تنطلق من مبدأ أن الوجود يسبق الماهية ، وهى كذلك بالفعل ، فانه من الأنسب منطقيا ان تكون الوجودية ملحدة لان هذه الفكرة ، فكرة ان الوجود يسبق الماهية تتطلب الإلحاد .

فيقول سارتر فى معرض كتابه الوجودية مذهب إنسانى

"أما الوجودية الملحدة التى أمثلها بنفسى ،فهى اكثر انسجاما واكثر منطقية فهى تعتقد انه اذ جاز أن نعتقد أن الله ليس موجودا فانه من المحتم أن نعتقد على الأقل بوجود كائن موجود قبل ان يعرف ضمن اية فكرة مجردة او فى وهم اى خالق وهذا الكائن هو الانسان " (6)

وهذا فى معرض حديثة عن تاريخ فكرة ان الوجود يسبق الماهية

فهو يعرض تصور القرن السابع عشر لوجود الله الذى كان تصورا ضروريا فى اعتبار ان ماهية الانسان تسبق وجوده لان ماهية الإنسان يحددها الله الخالق سابقا قبل ان يخلق الانسان فهو يقول " وعندما نتصور الها خلاقا ،فاننا لا نتصوره إلا على صورة فنان عظيم او صانع علوى .. وإننا نعتبر ان الارادة سابقة دوما للفعل او الفكر او انها على الاقل تلازم الفكر وان الله بالتالى لا يخلق الا عالما بما يخلق اذ لا يصح ان نعتبر ان الله يجهل ما يقوم به وهكذا تصبح "فكرة الرجل " المجردة والموجودة فى خيال الخلاق فكرة مطابقة تماما لفكرة (وجود ماهية تسبق الوجود ) والله يخلق الانسان تبعا لاصول وتبعا لشكل خاص كما يخرج الصانع قاطعة الاوراق تبعا لشكل معين وتعريف خاص وهكذا يحقق الانسان جزءا من فكرة يتخيلها الخلاق الذى هو الله " (7)

يرى سارتر إذن ان فكرة الله هى الفكرة التى تجعلنا نقول دائما باسبقية الماهية على الوجود وهذا طبقا لهذا التصور عن الإله الخالق

الا انه يفسر الانتقال تدريجيا الى كون الوجود يسبق الماهية عبر القرن الثامن عشر حيث أنكر الملاحدة وجود الله ولكنهم اعتقدوا ان للانسان طبيعة انسانية وان هذه الطبيعة الإنسانية موجودة عند جميع البشر مما يجعل من كل فرد مثلا خاصا لفكرة عامة وهكذا ظلت الماهية تسبق الوجود

" وهكذا يصح الاعتقاد بانه لا توجد طبيعة انسانية لانه لا يوجد اله خالق ليتصورها فى ذهنه ومن ثم يعمد الى خلق الانسان بناء على تصوره لتلك الطبيعة "(8)

ببساطة وجمال واقتصاد يسوق سارتر برهان الخلف فيصدق وجود فكرة الله ثم يجد ان من متطلبات هذه الفكرة ان الله يعلم ما يقوم بخلقه اى يعلم ماهية الشئ الذى يخلقه وبهذا تكون الماهية سابقة على الوجود وهو ما يتعارض على طول الخط مع الوجودية اما موقف الإلحاد فهو الاصح إذا أخذنا بمبدأ ان الوجود يسبق الماهية لانه لابد من وجود كائن يتحقق فيه وجودا سابقا للماهية وهو اما الله او الانسان فاذا كان الله غير موجود فهو الانسان وعلى ذلك فعندما نقول ان الانسان يسبق ماهيته وجوده فاننا اضفنا بعدا الهيا الى الانسان وجعلناه خالقا لنفسه

هذا إذا اردنا ان نجيب على السؤال لماذا الحد سارتر أما إذا اردنا ان نعرض لما ترتب على هذا الالحاد من نتائج فى فلسفة سارتر فيكون الاتى .

الفصل الثانى الاهمالية

واذا كانت الوجودية قد أنتهت بنا لفكرة الالحاد فيصح ان نقول ان الانسان فى الوجودية خالق لنفسه " والانسان هو خالق لنفسه لانه وحده متصور لها "(9) وكذلك "الانسان ليس قبل كل شئ الا مشروعا ... ولا يوجد شئ تستطيع السماء ان تتصوره او تتخيله فالانسان هو ما شرع فى ان يكون فاذا كان الوجود يسبق حقيقة الماهية فالانسان مسؤول عما هو كائن " (10) " وعندما نقول ان الانسان يختار نفسه بنفسه نعنى بالتالى ان الانسان الذى يختار نفسه انما يختار تبعا لذلك جميع البشر وهكذا تصبح مسئوليتنا اكبر بكثير مما نستطيع ان نفترضه لانها فى الواقع تجر الإنسان لان يتحمل الانسانية باجمعها " (11) ومن هنا تنبع الكأبة اذن " الكأبه نابعة من انه لا يختار نفسه فحسب بل هو يختار الانسانية جمعاء وهو يقع فريسه لشعور عميق بالمسئولية المترتبة عليه " (12)

اى ان المسئولية الهائلة للاختيار التى تقع على عاتق الفرد يتم تعميقها من قبل سارتر بما يسمى الاهمالية فى الوجود او الاهمال

"وعندما نتكلم عن الاهمال وهذا التعبير محبب الى هيدجر فاننا لا نعنى الا ان الله ليس موجودا " (13)

و الوجودية تناقض نوعا خاصا من الاخلاق العلمانية التى تنفى فكرة الله بسهولة زائدة

"ان فكرة الاله هى افتراض لا طائل تحته وهى الى ذلك يكلف غاليا ولكنه يجب عوضا عن ذلك التمسك ببعض القيم بغية المحافظة على الاخلاق والمجتمع والمدينة بمعنى اخر فان اى شئ لا يتغير رغم عدم وجود الاله ... اما الوجودية فانها تعتقد ان انكار وجود الاله عند هؤلاء من الصعوبة بمكان الا انهم بذلك انما ينكرون وجود الخير المحض وينكرون وجود عالم القيم فى السماء لانهم انكروا وجود الوعى اللامتناهى والكامل ليستطيع ان يتصور هذا العالم كتب دستوفسكى يقول "اذا لم يكن الله موجودا فان كل شئ يصبح مسموحا "من هنا تنطلق الوجودية فالانسان متروك لا يعتنى به احد لانه لا يجد لا فى نفسه ولا فى خارجها شيئا يتمسك به ويتعلق باهدابه فهو لا يجد قبل كل شئ اى مسامحة لاخطائه لان التفسير غير ممكن بالمقابلة مع اى كائن محدد التكوين لان الوجود الفردى سابق الماهية كما اسلفنا مما ينفى وجود الشكل الذى اعتبر نموذجا محدد المعالم وبمعنى اخر فان الجبرية ليست ذات موضوع بحث فالانسان حر بل الانسان حرية " (14)

" فاذا كان الله غير موجود فاننا لا نجد امامنا قيما تسير تصرفاتنا وتجعلها شرعية لذلك فاننا لا نجد امامنا او خلفنا اى نوع من التشجيع والموافقة او اى عفو على هفوه ...فنحن وحدنا بدون عفو او قبول تبرير وهذا ما اسميه الجبرية فى الحرية ..فالانسان مضطر ان يكون حرا وقد حكم علينا بالحرية فالانسان محكوم لانه لم يخلق نفسه وهو من جهة اخرى حر لانه منذ الساعة التى القى فيها فى هذا الكون وجد نفسه مسئولا عن كل ما يفعله ان الوجودى يعتبر ان الانسان مسئول عن عاطفته والوجودى يعتبر ايضا ان الانسان لن يجد عونا فى هذه الارض ولن يجد ما يهديه او يحدد له معالم سيره لانه يؤمن بان على الانسان ان يفسر هذه المعالم التى هى اشبه بالطلاسم وان عليه ان يحلها بطريقته الخاصة فهو يعتبر اذن ان الانسان مدعو فى كل لحظة لاختراع الانسان وان هذه الدعوة نوعا من الحكم الصارم الذى لا خلاص منه " (15)

هذه هى الاهمالية عند سارتر والمترتبة على الالحاد كما تعد فى ذاتها موقفا لصالح الفردانية

الفصل الثالث تقويم الحادية سارتر فى ضوء وجوديته

" اجل الالحاد شجاعة جسورة تفصح عن قدرة على مواجهة العالم كما هو ،لكنها تدفع ثمنا باهظا هو فقدان المعنى والخواء .اليأس الذى هو الموقف الحدى القصى ولا يمكن تجاوزه .هكذا تفضى الوجودية الملحدة الى شجاعة اليأس و العدم اما الوجودية المؤمنة فتفضى الى شجاعة الكينونة وتأكيد الذات " (16)

اللامبالاه هى شجاعة اليأس والعدم عندما يكون هناك انسانا بلا مقدس بلا نقطة محورية تتمركز حولها قيمة الذات من عدمه . لكن هل يعنى الالحاد غياب المقدس ام انتقاله من عالم السماء الى عالم الارض وعلى الاخص الى عالم الانسان باستطاعة الانسان الوجودى دائما ان يجد بداخل ذاته الوحيدة فى هذا العالم مقدس قد يكون الحرية ذاتها او الانسان ذاته كمقدس او اى اختيار آخر لمقدس يحمل ابعادا جمالية او اخلاقية من الممكن ان يكون هناك الحاد دون خواء الحادا ذا معنى عندما يكون هناك مقدس تنطوى عليه الذات ولا تكشف عنه بوضوح الا امام ذاتها ان التصدير الذى بدأت به هذه الورقة والذى يحث الذات الانسانية عن البحث فى داخلها عن المقدس الشخصى الذى يضفى المعنى على كل شئ فى الحياة لم يكن نوعا من العبث ولكننى اؤكد ان المقدس لا يوجد فقط فى السماء وانما يوجد داخل الذات ومن خلاله تضفى الذات معنى على كل شئ فى هذه الحياة او حتى فيما وراء الحياة لا شئ يعوق الذات اكثر من تلك العبودية للعقل الجمعى والقيم الجاهزة والعموميات السائدة فليكن لكل الهه الخاص دون تلقين من أحد انها شجاعة الالحاد او دعوته المستنيره لتحرير الفرد من كل ما يجعله اسيرا للمجتع والحشد الزائف

***

المصادر

جان بول سارتر : الوجودية مذهب انسانى ، ترجمة كمال الحاج ، منشورات دار مكتبة الحياة ، بيروت –لبنان ،1983 .

يمنى طريف الخولى : الوجودية الدينية دراسة فى فلسفة باول تيلتش ،دار الثقافة العربية ،الطبعة الثانية ،2005 .

يمنى طريف الخولى : بين الحادية سارتر والوجودية المؤمنة ، بحث منشور ضمن ندوة جان بول سارتر رؤى وقراءات ، المجلس الاعلى للثقافة ، من 12-14 ديسمبر 2005.




(1) يمنى طريف الخولى : الوجودية الدينية دراسة فى فلسفة باول تيلتش ،دار الثقافة العربية ،الطبعة الثانية ،2005 .ص 41 .

(2) يمنى طريف الخولى : بين الحادية سارتر والوجودية المؤمنة ، بحث منشور ضمن ندوة جان بول سارتر رؤى وقراءات ، المجلس الاعلى للثقافة ، من 12-14 ديسمبر 2005 ,ص 68 .

(3) يمنى طريف الخولى : الوجودية الدينية دراسة فى فلسفة باول تيلتش ،مرجع سابق .ص 55

(4) يمنى طريف الخولى : بين إلحادية ساتر والوجودية المؤمنة ، مرجع سابق ، ص 68

(5) المرجع السابق ، نفس الموضع

(6) جان بول سارتر : الوجودية مذهب انسانى ، ترجمة كمال الحاج ، منشورات دار مكتبة الحياة ، بيروت –لبنان ،1983 .ص 44 .

(7) المرجع السابق .ص 43 .

(8) المرجع السابق ص 45 .

(9) المرجع السابق ،ص 45

(10) المرجع السابق ،ص 46

(11) المرجع السابق ، ص47

(12) المرجع السابق ص 48

(13) المرجع السابق ص54

(14) المرجع السابق ص54

(15) المرجع السابق ص55

(16) يمنى طريف الخولى :بين الحادية سارتر و الوجودية المؤمنة ، مرجع سابق ،ص70 .

الأربعاء، ٢٠ أغسطس ٢٠٠٨

أطفال، فلاسفة

أطفال ، فلاسفة

مقال فى الفينومينولوجيا

بقلم : ميلاد سليمان
المدينة المثالية "الجمهورية" كما قدمها أفلاطون تطلبت أن يكون الفلاسفة حكامها، أو يتحول الحكام إلى فلاسفة. بينما طالب هيراقليطس من حكام أفسس أن يشنقوا أنفسهم ويتركوا حكم المدينة للأطفال. ولن ندخل هنا فى غمار الفلسفة السياسية، ولا عن صفات الحاكم. بل ما يعنينا هو السؤال الأتى: لم الأطفال والفلاسفة هم الأجدر بالحكم؟
إنها "الدهشة"، نعم فالفيلسوف/ الطفل تتفتح عيناه على الواقع -أغلب الوقت- دون أى أفكار أولية أو أحكام مسبقة على ما يتناوله ليبدأ بتمثل ذلك الواقع فى محاولة لاستيعابه. ولنبدأ بالطفل؛ فهو يولد وعقله صفحة بيضاء –حسب أحد الآراء- لم يُخط فيها أى ملاحظة، ثم يبدأ فى تشكيل وعيه وفق ما يصل من الخارج فى صورة أجسام، أصوات، أشكال، أو حسب ما يُلقَن له أى "التربية". أما عن ما قبل التربية، فهنا تكمن الفينومينولوجيا!!؟
الفينومينولوجيا هى ما يظهر فى الذات عند تمثلها لظاهرة معينة فتدرِك –حدسيا- ماهيتها، دون واسطة عقل أو حواس بل لقاء حي بين الذات وموضوعه قائم على التوجه والقصدية. ثم تتراكم الخبرات لديه –الفيلسوف/ الطفل- فيتولد الوعى بها ولها فى محاولة لفهم وتنظيم وإعادة تنسيق ما تعطيه الظاهرة لنا فى كل لقاء مراوح معها مرتبط بآنيته وآنيتنا فى لحظة واحدة.
والسؤال هو: هل الطفل يقوم بكل ذلك؟ هل لديه القدرة على فعل هذا الأمور؟
الإجابة هى نعم، فالطفل –أى طفل- قبل أن يبلغ السادسة حيث القدرة على النطق والكتابة. يكون على وعى بكل ما حوله، يتأمل الواقع بعين صافية لم تطمسها غشاوة المناهج، ولم توضع داخله القوانين الإلزامية بالصدق والكذب والأطر المؤطرة للواقع. فعندما يرى مثلا قطة سوداء فهو يصدر صوت، هو على الخلاف من رؤيته لقطة بيضاء أو لكلب فى الشارع أو أحد أخوته أو والديه. فالطفل دائم الحركة والاكتشاف والمهارات المتجددة القائمة على "الحُنكَة السرنديبية". وإلى جوار الأصوات التى يخصصها لكل شىء مادى أو معنوى فى واقعه والتى يميز من خلالها الخبرات الداخلة لوعيه. وأن كان لا يقدر على التجريد بعد. يصنف بعض الحركات المؤثرة فى من حوله لدى تقابله مع أى حدث مما يلقاه فى يومه. فعند رؤيته لكلب يقول:"هع عو عو" فنرد فى تلقائية "نعم انه عو". ونُبدى استياء من ذلك، فى حين يجب مشاركته فرحته الاكتشافية. فهذا الكلب بالنسبة لنا أصبح شىء عادى، نراه كل يوم، لا يدهشنا. على عكس الطفل. الذى لم يأخذ على التنميط وبالتالى يندهش لأى شىء، ويتوقع أى شىء، ولا يخشى شىء. ولكن لعجز قدرته على الكلام والكتابة والتجريد والتعميم، يقنع بما يخبره له الآخرون عن الواقع، والحياة من حوله، فيُنيَر بحدود الدوجما، ويغوص فى أغوار الكهف. الطفل يرى كل يوم أشياء لم يعرف معناها بعد: والدته تضع الدجاج فى الصندوق ليخرج منه مختلف اللون والطعم والرائحة، وأخته تخاطب طوال اليوم الصندوق الأبيض الملون الموضوع على المكتب، ووالده يتطابق كل يوم مع والدته على السرير.. دون أن يعي –الطفل- أى فكرة عما يدور حوله.. دون أن يملك القدرة على أن يُعّرِف ما حدث. وعندما يمتلك القدرة على التوضيح والنطق بما كان يَخْبُره كل يوم يكون للآسف قد نُمطَت حياته وفق العادات والتقاليد، والصواب والخطأ، والحلال والحرام. راضخاً لما يراه الأهل، والمجتمع، والدولة. فيظل كاتم للسر الدفين، والذى تعلوه مع الوقت ترسبات الواقع المفروض منتظراً إلى حين.
أما الفيلسوف فهو يقوم بإسقاط كل ما علَّمه له الأهل والمجتمع والدولة. ليطلق لفكره العنان، يتجول فى الواقع فى لقاء معيش حي، معلقاً الحكم على ما لقاه من ذى قبل. ليبدأ خبراته الجديدة معه. يسعى من خلال التجريد والعودة للأشياء ذاتها، والبدء بالماهيات دون التصورات، لأجل إقامة المجتمع على أسس صورية ذاتية، قائمة على عمومية الوعى، ووحدة المشكلة، يتمثل ما حوله، وكأنه جراح مُمسِك بالمبضع ليبتر الأورام، ويلقح الأعضاء الميتة بدماء الخبرة المتمثلة للأزمة. فيخرج فكره مطابقاً للواقع، قُدّ عليه. التعالى إلى الداخل فى حوار مع الظاهرة، الواقفة فى العراء، دون خبرات سابقة، مجرد لقاء حي قائم على التساؤل والدهشة والتأمل المنعكس داخل الذات تجاهها. والتى توصل إلى فهم آنى صحيح.

الطفل والفيلسوف، هما صابوران الواقع والمجتمع، وثقليه المتجاوران، والحافظان لتوازنه. إذا التفت المجتمع لأهمية دورهما فيه. الطفل يصير فيلسوفاً، الفيلسوف يصير طفلاً. البدء من أيهما ليست المشكلة، بل الدور الفعّال هو الأهم. الكلمة المسموعة، والرأى المناقش فى حرية، والحوار الحر هو ما سيحيل إلى التطور الفاعل فى المجتمع. الدهشة وجدِت ووجدَت معها من سَمعْ لصوتها الغير منطوق، صوت الرمز. والذى يتلقاه كل فرد بحسب استعداده الكامن.
ميلاد سليمان
ملتقى دروب الفكرى