الاثنين، 15 يونيو، 2009

جماليات التلقي

ندوة للدكتور سعيد توفيق ، ألقاها يوم 28 أبريل 2009 بالمجلس الأعلى للثقافة
تابعها وأعدها للنشر محمد سعد
***

التلقي الجمالي بدلاً من التذوق الجمالي

"ناقشت الندوة نظريات علم الجمال الحديث متمثلة في التيار الفينومينولوجي في تحليل خبرة المتلقي للموضوع الجمالي"

آليات التلقي هي العمليات المعرفية والشعورية لإدراك العمل الفني، وذلك الطرح الجديد المتعلق بالتلقي الجمالي يضفي فاعلية علي خبرة المتلقي للعمل الفني بعكس الفلسفات السابقة التي كانت تجعل من دور المتلقي دوراً سلبياً في عملية الإبداع .

يطرح علم الجمال الحديث شروطاً لتلقي العمل الفني ، شروطا معرفية وشعورية وتلك الشروط تنفي مقولة " لا مناقشة في الذوق " والتي تعتمد في ذلك علي أن الذوق هو مسألة ذاتية نسبية.

وقد نشأ علم الجمال الحديث الذي بدأ مع كانط لدحض مسألة أن الذوق هو مسألة نسبية فمشروع كانط في علم الجمال كان مدفوعاً بمنطق لحكم الذوق وتجلي ذلك في آخر حلقة من حلقات مشروعه النقدي في كتاب "نقد ملكة الحكم" والذي وصف فيه الموضع الجمالي علي أنه غائية بدون غاية فغاية الموضوع الجمالي تكمن في باطنه فالموضوع الجمالي ليس موضوعاً لمنفعة ولا يمكن النظر إليه كأداة أو وسيلة لشئ فهو بدون غاية فجمال الوردة مثلاً لا يجعلنا نرغب في قطفها والإحتفاظ بها .

حكم الذوق مرهون بالتربية والثقافة الفنية فالإستمتاع بسيمفونية موسيقية يتطلب معرفة بتكوين السيمفونية الفني كمثال وتلك هي الآليه المعرفية.

في بحثنا عن منطق لحكم الذوق نواجه حججاً قوية ومنها :
إن للأعمال الفنية نسبية ثقافية تاريخية فالأعمال الفنية تنشأ وتذوي في التاريخ وذلك لارتهانها بسياق حضاري ما حيث قيمة العمل تختلف من زمان لزمان آخر .

لكن نحن نرد ونقول بأن النسبية التاريخية لا تطعن في القيمة الفنية للعمل فهي لا تطعن في الأساس الموضوعي للعمل الفني وإنما تعني نسبية إدراك القيمة، قيمة العمل الفني ومثال علي ذلك نأخذه من مجال الأخلاق .

الكرم هو مبدأ أخلاقي ولا شك ولكنه يتجلي بأشكال نسبية، ففي أفريقيا قد يقوم شيخ قبيلة ما بتقديم زوجته لضيفه علي سبيل الكرم، إلا أن هذا لا يعني نسبية المبدأ الأخلاقي بل نسبية تمثل المبدأ الأخلاقي، فما قام به شيخ القبيلة هو عمل خلقي وليس إنعدام لمبدأ الكرم فهو ها هنا يجور علي مبدأ أخلاقي أعم وهو قيمة الإنسان نفسه فهو يستخدم زوجته هنا كأداة للضيافة مثلها كمثل طبق للفاكهة أو كهدية.

إذن من لوازم عملية الإدراك الجمالي وجود ثقافة فنية تتيح للمدرك تلقي العمل الفني بشكل صحيح.

وهذا كان تبريرنا لإمكانية الحديث عن شروط التلقي الجمالي.
وأهم تلك الشروط الأولية :
1- المسافة النفسية بين المتلقي والعمل الفني "وهو مرتبط بالآلية الشعورية للمتلقي"
وهي تعني أن المتلقي لا ينبغي عليه أن يقوم بالخلط بين إنفعالاته الذاتية وبين الإنفعالات التي تصدر عن العمل الفني نفسه.
قد يكون من الصعب تحقيق هذا حيث أن العمل يثير فينا الكثير من الإنفعالات ولكن هنا ينبغي أن يتفهم المتلقي الشعور الذي ينتمه إليه وتلك المشاعر والإنفعالات التي يثيرها فيه العمل الفني.

مثال من مجال الموسيقي :
أحياناً في سيمفونية ما قد تكون تلك السيمفونية معبرة عن حالة من الشجن والحزن، إذا كان العازف في حالة حزن خاصة به وبعيدة عن العمل الفني قد يتصور البعض أن ذلك قد يؤدي لنجاح العمل الفني ولكن علي العكس من ذلك سيؤدي حزنه الذي لم يرد إليه من عزف السيمفونية إليه فشل العمل الفني فالعازف قد يشعر بالفرح نتيجة لأن السيمفونية تعبر عما يحياه العازف من حزن وشجن .

إن ما يحدث هنا هو أن العازف هو الذي اضفي مشاعره علي العمل الفني ولا العكس فالمفترض من العازف أن يتمثل حالة العمل الشعورية.
2- فهم السياق التاريخي للعمل.
للأعمال الفنية تاريخية خاصة بها فهي ترتبط بالعصر الذي أبدعت فيه فالعمل الفني هو إبداع في عصر ما لقول شئ ما ولكن هذا لا يعني أن الأعمال الفنية هي كالأمواج تروح وتجئ دون تاريخية فحتي الصخور التي ترتطم بها الأمواج لها تاريخ جيولوجي فلكل عمل تاريخيته.

قد ينتمي المتلقي لسياق تاريخي مختلف فتحدث مشكلة وهي موائمة المتلقي للعصر الذي يعيش فيه والعصر الذي ينتمي إليه العمل وما يجب أن يقوم به المفسر/المتلقي هنا هو عصرنة العمل الفني أي أن يجد تلك الأشياء التي تتجاوز عصرها داخل العمل الفني وبذلك فهو يقوم بعملية "جعل النص قابلاً للتطبيق في عصر المفسر" .

لذلك يجب أن يكون المفسر واعياً بالشرط التاريخي .
نجد من كل ذلك أن دور المتلقي هو دور إيجابي بلاشك في العملية الإبداعية فهو كما يسميه الألمان mitspieler أي المشارك أو لاعب لدور في العمل الفني.

فالعمل الفني لا يتأسس كموضوع جمالي إلا من خلال الجهد الفعال للمشاهد.

ويجب أن نشير هنا إلي تفرقة هامة وهي أن العمل الفني يختلف عن العمل الجمالي، صحيح أنهما وجهان لعملة واحدة ولكن الشئ قد يتجلي كموضوع فني ولكنه لا يملك أن يتأسس كموضوع جمالي إلا من خلال الشخص المتلقي للعمل الفني فهو القادر علي تحويل الفني إلي جمالي بتحقيقه لشروط التلقي.

إن وجود لوحة ما هي عمل فني بلا شك ويمكننا أن نتخذ منها موقفاً جمالياً ولكن قد نتخذ منها موقفاً علميا إذا ما أردنا تحديد عمر اللوحة من خلال تحليل ألوان اللوحة أو إذا ما أردنا أن ننسب لوحة ما لفنان بعينه كرامبرانت مثلاً فنجلب خبراء في أسلوب رامبرانت لتحديد طريقة ضربات الفرشاة .

في تلك الحالات يظل العمل الفني عملاً فنيا ولكن لا يتأسس ذلك العمل الفني كموضوع جمالي لإنتفاء وجود متلقي فتلك المواقف لا تتأمل ولا تتمثل ذلك العالم المثار في اللوحة .

يمكن إختصار تلك النقطة في عبارة قالها ميكيل دوفرين وهي " إن الموضوع الجمالي هو مستقبل العمل الفني" حيث يقوم هنا المتلقي بإستحضار الموضوع الجمالي لينبثق من بين ثنايا العمل الفني.

في المسافة بين العمل الفني وبين الموضوع الجمالي يقع الجهد الفعال للمتلقي أو كما يقول إنجاردن تعيين العمل الفني
.
كل عمل فني ينطوي بداخله علي مواضع لا تحدد فهو يعبر بشكل غير مباشر وإيحائي كما يقول ميرلوبونتي ، فهناك شئ ما متخفي يجب أن يبدع المتلقي ليظهره فطبيعة العمل الفني أنه لا يعطي موضوعه ولا يعبر بشكل صريح عن موضوعه وإلا فقد جزءاً كبيراً من قيمته.

ففعل الإبتسام مثلاً موضوعه فيه لا خارجه ومهمة المتلقي إكتشاف الإيماءة Gesture التي تتخفي وراء فعل الإبتسام.
ودور القارئ/المتلقي هو ملء الفجوات داخل العمل الفني، إن ملء تلك الفجوات يؤدي لإنبثاق العمل الجمالي ، فالأديب لا يذكر لنا كل شئ في روايته فهو لا يقدم لنا تقريراً بل يذكر ما يمكن أن يخفي بداخله ما يريده ولا يريد أن يصرح به ليترك بذلك فجوات ويترك مواضع لا تحدد وتخفي علي المتلقي ملئها ليصل للعمل الجمالي، إذا إعترفنا بنسبية تاريخية للعمل الفني مادام العمل مرتبطاً بسياق ثقافي فهناك إمكانية لتعدد التفسيرات ولكن هذا التعدد لا يكون بدون نهاية ولا نعني بكلمة بدون نهاية أننا سنضع حداً تقف عنده التفسيرات فكل عمل فني أصيل يسمح بأكثر من قراءة والعمل الفني الضعيف هو ما لايحتمل أكثر من قراءة .

ولكن نعني أن التفسير ليس مفتوحا بدون شروط فهناك شروط تجعلنا أحياناً نفضل تفسير علي تفسير بناءأ علي ثقل الدليل النصي وهو يعني أن التفسير له أكثر من دليل داخل النص المراد تفسيره والثقل هو أن يكون التفسير مرتبطاً بالسمات العامة أو بسمه أساسيه في النص لا أن يكون التفسير كله مبني علي جزء قد ورد بشكل عرضي في النص فهذا التفسير متاح ولكنه تفسير غير قوي لأنه يعتمد علي أجزاء هامشية في النص الأصلي .

" تلك كانت أهم الشروط الأولية التي يجب أن يكون المتلقي علي معرفة ودراية بها حتي يحسن تلقي العمل الفني "
***
محمد سعد
ملتقى دروب الفكرى

ليست هناك تعليقات: