السبت، 9 يناير، 2010

مصباح علاء الدين

بقلم: مازن مصطفى

المفهوم يمنحنا لذة جمالية، يتضح هذا بنيتشة، وهل هناك ما هو أدبي بقدر العود الأبدي؟. إلا أن الجمالي، كما نعلم، يقدم لنا دلالات معرفية، سنمثل لذلك بعلاء الجزولي، بل بصيرورة بورتريهات علاء الجزولي.سنقدم مفاهيم هنا،لن نتحدث عن تراكيب، عن علاقات لونية، بل عن مفاهيم، فنحن أم
ام الندرة: أمام المفاهيم التي لاتمنح نفسها في العلامات، بل في مخطط البناء نفسه. إن الأدب يقول، جميعنا يعلم، لكن ما الفرق بين الأدب الذي يقول وبين أدبي بورخيس وكافكا؟ إن الفرق، ما ينتج القيمة الأعظم، هو أن البناء نفسه شيد للقول؛ إن العبث، اللجدوى هنا مخطط عمل، كلما تحرك "ك" خطوة تقهقهر خطوتين، وكلما تحرك خطوة من الخطوتين تقهقهر خطوتين مرة ثانية، إلى أن يموت بمخطط كافكا. ما الذي يقال داخل هذا التخطيط؟ لا يهم، الأهم ما يقوله المخطط نفسه. إنتقالك من لوحة واقعية إلى لوحة مجردة لا يحمل مجرد مضمون لوحتين،لا، إنهما يقدمان طريقي قراءة، يقدمان مفهومين للعمل الفني: مالذي تخبرك به اللوحة المجردة؟ إن كل ما تبحث عنه من في اللوحة الواقعية ليس مهما حقاً، خذ، إن الجمال في هذه العلاقات، لا من تعرفك الساذج على مضمون معطى.سأقدم مفاهيم يمنحها لنا تركيب علاء الدين نفسه، بل قدمت سلفاً، يمكنني ذكر ماكتبت في الفقرة السابقة كأول ما هناك.
إن البداهة في كون العمل التشكيلي عمل على الشكل بالشكل، تجرف، في خطورتها، إنتباهنا إلى تراص تراكيب (منظورة بالأساس، في مقابل منظورة للتحويل، مثلما الحال في الرموز التشكيلية الدالة المسماة بالحروف) للعلامات على المادة وبواسطتها. هذا التراص، نفترض أنه "فنان" بقدر ما ينسب إختلافاً للمكرور من ترتيب علامات سابق، في الطبيعة؟ يا للهول، إن الطبيعة وهم مثلما "الثقافة"
وهم، مستعيراً مقولة نيتشة، الفارض نفسه على هذا العمل كما يبدو، في وصف شيء آخر هو التناقض، مجرد "دجل من صنع أصحاب العقول المنظمة"، أما الحاصل، كما في دجلنا نحن، فخلائط علاقات بصرية بين ما هو ثقافي وهو كل شيء، وما هو طبيعي وهو كل شيء أيضاً، وهما ما يمكن أن نسميهما الكل المنظور في حالتنا. إلا أنه ليس الكل المنظور بقدر ما هو محايثة الفنان من الكل المنظور.
إن الإختلاف يتحقق بفضل المحايثة، بفضل جزئيتها، بإقتطاعها المحتم، طالما كففنا عن تحققنا في كمال إلهي، لأننا، نحن والكل المنظور، لا نتحد ولاننفصل، بل نشرع فيما يقرب المعاضضة، الإقتطاع المتبادل للعلامات ونحن. هذا الإقتطاع إرادي لدرجة، وهي الدرجة التي يعمل عليها الفنان، محاولاً؛ بإستغلال كل شىء حتى لا إرادته، توسيعها.
أما الآخر؛ اللامتميز حقاً عن الفنان نفسه، فهو يشارك الفنان في رصد مرصودي العمل الفني؛ المفكر فيه واللامفكر فيه، بفعالية موازية، تحتضن إقتطاعاً مختلفاً، فهي مسافدة بين مسطحي محايثة نطلق عليها إسم النقد. إن الآخر، كما أسلفت، لا يتميز حقاً عن ذات الفنان، بذريعة موازاة القراءة، كإنتاج جديد للنص، وبذريعة أن الفنان ما أن ينفصل عن لحظة الإنتاج، أي ما أن يمتلك قدرة تلقي عمله، يحقق إنفصاله عنه، إنفعاله بالإنفصال، بما يتقوم لوحده، حتى يتمكن من مقاربة لامفكره نفسه؛ اللامفكر الذي يستغل، وقد صار مفكراً، في عمل لاحق، في تعرف خبرة أمضى بالظلمة.
قلنا الكل المنظور، ونعني الجانب القصدي من المنظور؛ ذلك الجانب الذي يدفعنا لزياة معرض تشكيلي؛ كمحاولة يائسة لكشط أكوام التشكيل المترامية بالإكراه، تشكيل الشارع، الألوان المردفة للسيارات المتلاصقة بفعل تشكيلي مروري ذو ثلاثة أضواء تتعاقب. إن الجانب القصدي، وأعني العمل، أكرر: العمل، ما يمنح فرادة مسطح محايثة ما من كاوس الشكل. عمل اليد والعين والدماغ؛ بل عمل الجسد! الوعي؟ أما تزال هذه الكلمة مستخدمة؟ أنعني ثلة بائسة من إدراكات قصدية يغلب عليها ما هو غير قصدي من كل إتجاه؟ هذا معبر ضيق، إقتص منه فرويد وتناهشته البنيوة ثم أورثناه. إلا أن الفاعل موجود، إلا أن الفاعل لم يمت؛ إن قراءة مسطح المحايثة المقتطع، عفواً أو قصداً، ليس فرقاً أكرر، يشهد للفاعل بثغرة النفاذ الوحيدة. إنها الأمل المضبب الذي علينا رعايته في العالم، شرارته، منفذه، نفاجه المضطرم بالشهوة والعارم لها في عالم أطبقت عليه رتابة كلاب الليدو وخصي المثال الذهدي وحدود تحركات الشطرنج. الشخصية، الإختلاف، الفرادة، مصباح أخير في عالم ممتلك للسيستم.
عن المأزق الجمالي، يخبرنا علاء، عن ما سعى لإقتطاعه من الكاوس؛ عما يصنع الفرادة، نتشهى. إن القراءة طموح لا إلى الشرح، أو الإنابة، فدرس عمك جان كوكتو معلق على الرقبة ما يزال، ما الذي نبحثه في لوحة؟ يجيبنا عمك: اللوحة ذاتها؛ إنها بالأحرى طموح إلى القراءة نفسها، إلى إضاءة النفاج الذي تمنحه الشخصية لنا، وأي طموح غير ممكن.
ان مقارنة بسيطة بين عمل يعود لعقدين او ثلاثة الي الوراء , مثل بورتريه (حسن عطية ) وبين البورتريه الراهن المستلهم لتقليد القناع الافريقي المستلهم لتقليد بورتريهات الفيوم توضح لنا اي بارقة حياتية حدثت في الربع قرن الماضي . اول ما يرد ان انتقالا حاسما حدث من الشكل المكرس عبر المركزية الاوربية والمكرس اكاديميا بالطبع لتقاليد افريقية خالصة ومهمشة.
هذا اول سوء تفاهم؛ قد يوصلنا لإقحام نقاط غير مركزية في طبيعة كل علاء المنظور. سوء تفاهم المرجع السياسي؛ أي أن نستدل بأن إنتقالاً تم من مرجعية لأخرى عبر مفهوم نقدسياسي للهامش والمركز. هنا نتورط في إعلان مقاصد سياسية لايصبح الكل المنظور وفياً لها إلا إذا إفترضنا، بالمقابل، أن كل من يرسم البورتريه "الأوربي" يعمل على التكريس لهيمنة المركز الأوربي مضطهداً الشعوب غير الأوربية. حسناً، في كل الأحوال هو إتجاه قراءة سهل الدحض؛ إلا أنها ورطة النظرة العاجلة الأولى: أن يتحول الفنان إلى متعصب قومي بمقابل الإنفتاح الكوزموبوليتاني، وهو مرض شاع، إن نظرنا لآونة الرواج، في إتجاهات الزنوجة، رد الفعل العنصري على الفعل العنصري، وسواها.

أفي الأمر، والحال تلك، تطعيم للوافد بالموروث؟ إستبدال للموروث بالوافد؟ العكس؟ مثلما يفعل مزينو اللوحات بالرموز النوبية أو الشعر الفصيح أو سواهما كوسيلة لعكس "المكون المحلي"؟ إن الأمر، كما نأمل توضيحه بإستطرادنا، يتجاوز ثنائيات القومى الكوزموبوليتاني، الوافد الموروث، إلخ. مثلما ، بداهة، لا يود العمل عكس "التنوع الثقافي" كما في هوايات الغرض السياسي الأثيرة عند قراءة النصوص. بقراءات من هذه الشاكلة نكون قد حققنا أول فشلنا؛ رسمنا حقلاً خاطئاً للمسطح و أدغمنا عناصر إتفاقية خارج المكون، ضد الفرادة بالطبع، وماحقة للإختلاف الذي نود.
نقول أن نفياً واجباً للعامل السياسي ضرورة عند التحدث عن مفمهمة عمل الفنان، في حال كونه عملاً فنياً لا محاولة لتفنين البيان السياسي؛ وهو نفي، بداهة، يجب أن يمتد وإن أكد صاحب العمل نفسه شبهة من إلتزام، مثلما في حالة بريخت وكثيرون لا جدوى من إستخدامهم لأغراضنا هنا. هنا، حيث يعلمنا نيتشة، صديق هذا المقال الشخصي، درساً مهماً، وهو يتحدث عن نموذج من خدم الفلسفات يتمثل في فاجنر.إذ بماذا يبرر نيتشة تحول فاجنر من فلسفة فيورباخ إلى شوبنهاور؟ إن فاجنر تحول إليها لأنها "تفتح إمكانات جديدة لموسيقاه".اللعنة، ألهذا يتحول الفنان من فكر لآخر؟ من فلسفة لأخرى؟ هذا درس كامل النيتشوية: حين يتعلق الأمر بالفنان، فالمقياس ليس ما يراه حقيقياً في هذه الفلسفة أو تلك، ليس فيما يراه متماسكاً، أو عظيم الحجة، بل "ما يفتح إمكانات جديدة لموسيقاه". إن الفنان يبصر الحقيقي الفلسفة، النافذ في الفلسفة، المتماسك، عظيم الحجة، فقط لأن هذه الأشياء تدر عليه أرباح جمالية: الأمر بمجمله، بالنيتشوي الفصيح، يتعلق بذرائع تعبر بها إرادة قوة الفنان بما هو فنان. إنه، كما في بصيرة تمسو النافذة: مرضعة لغير التغذية.
أليس علينا، إبتداء من هنا، أن نعمل على رصد الفرادة أي خارطة المسطح، إبتداء من ما يتحقق، كنتيجة للخارطة، من أرباح جمالية؟. كنا قد شجبنا القصدي لصالح المصنوع من قبل التشكيلي الجبري، إشارات المرور التي ترسم لنا الألوان العشواء لحديد السيارات الممتثلة، المهندس المدني الأخرق الذي يجيد نفس الواجهات الصناديقية للبيوت؛ قلنا بأن القصدي جهد يائس، حسناً لن يغدو يائساً تماماً بمعطى الذرائعية الجديدة، فهو يمنح في آخر الأمر القدرة على تحقيق أرباح جمالية خارقة؛ إن إرادة الفنان بما هو فنان، بإمتطاء الذرائع، تضفي بطابعها على التراكم اللامحسوس كله، من تشكيل أبصره في اللحظة التي أصحو بها: السقف الأبيض للمنزل، الذي نحتت بمنتصف بياضه مروحة حديدية لها قدرة الدوران، إلى إغماضهما على نفس اللوحة بذات المروحة.
لنلاحظ، نحن إبتعدنا عن التقني، وإن إتخذناه عتبة هي كل شيء (ما هو العمل سوى تكنيك، بل ما كل فعل؟) ولكنها ليست سؤالنا، في ذاتها كما أسلفنا، ونكرر أن إحساس المتاهة في أدبي بورخيس وكافكا لا يأتينا لأنهما وصفا متاهات، إطلاقاً، بل يقين المتاهة يأتينا لأنهما كتبا قصصاً في شكل متاهات، وهو تكنينك التكنيك.
من هنا نكرر قراءة علاء، الآن. إن إقتطاعه الجمالي هو في آن واحد إقتطاع مفاهيمي،وهنا يشكك في كوكتو، من هنا يرد عليه:نحن لا نكتب اللوحة، نحن نكتب شيئاً آخر تقدمه اللوحة، نكتبنا نحن، نحن واللوحة، مستويات حركة اللون داخلنا ما نكتب، وهي لحسن حظ الجميع، ليست اللوحة.

إن بورتريهات الفيوم مفهوم. إنها إشارة جمالية إلى ما يخلصنا من مأزق الحداثة، من خطها الصلد، حدودها التي إمتثلنا لسطوتها خانعين، راضين ببلادة توارث مفهوم للعمل أحادي وحاصر لعلاقات التركيب والمساحات والألوان والخطوط: إنها اللوح ذات الحامل، إبنة اللعين المكرس: المتحف، ومحظية أوربا منذ نهضتها المزعومة. كسر للحواجز التي بنيت فيما بعد: هذه هي بورتريهات الفيوم، التي إستلهمت، إذن.إلغاء التصنيف: نستبدل التابوت المنحوت ببورتريه عوض القناع: نستبدل وجه مابعد الموت بوجه حاضر منذ ما قبل الموت؛ الوجه الذي تعلقه في الردهة ثم يدمج كنحت بورترتيه على تابوتك الشخصي: أي حرية. واقعية تختلط بإنطباعية، بل لكسر الحواجز أكثر، دعنا لانتقيد باللون، دعنا ندمج النحاس والحلي وكل ما هناك في العمل، أليس كل ما هناك منظور؟ كل ما يخدم غرضاً، لا الفلسفة وحدها، لإنتاج وجه الخلود عوضاً عن وجه الفاني.
إن الصدفة قادرة وعظيمة، إلا أنها أعجز من أن تربط ما ردمه المقال من مفاهيم بالخيار الجمالي العلائي؛ إن ما يفعل هو كائن غرائبي يدعى الفن. ثم إن فعلت، ألا يأتي الخيار الجمالي المصاحب، خيار الأقنعة الأفريقية، ليؤكد القصدية العنيدة المبنية على ما هو أكثر من مجرد المفاهيم؟ وكذلك من مجرد الذائقة؟ أكثر من قوة الموهبة العمياء يا عملات لوكاتش؟ إن القناع بدوره يؤكد خصوصية وقصدية الإقتطاع، المكان الذي يضعه الإختلاف لنفسه، والحرية المنتزعة. البورتريه؟ تلك اللوحة التي توضح بعدين فقط من الأبعاد، تلك التي لا يحتوي ظهرها ولا جانبها على عمل؟ تلك التي نرسمها بالألوان فقط؟. تلك التي إزدهرت مع بزوغ مفهوم الفرد في الحداثة؟ يقول الحس العام.
البورتريه؟ إنه مدمج بالنحت في بورتريهات الفيوم، تلك التي تعود إلى ما قبل إنجاب الحداثة، مجسم ومرسوم على كل جوانبه في القناع، بكل المواد، المسامير، الأمشاط أدوات الحلاقة ماوس الكومبيوتر الموضوع عوضاً عن الأنف، هل إزدهر البورتري مع مفهوم الفرد حقاً؟ يسألنا علاء.
هامش: إن ربط بزوغ تصوير الملامح الشخصية مع الحداثة، مفهوم الفرد، ديكارت والذي منو، يصبح مضحكاً أمام تابوت واحد عليه بورتري في المتحف المصري.إن رتابة الخط الذي إستمر به رسم البورتري منذ تكريسه الأوربي وإلى الآن مثيرة للشفقة، مقابل ما رسم في عصور سبقته من بورتريهات صاعقة.. لا، ليس الرسم فقط هو ما لايتحرك للأمام فقط دائما، بل إن فكرة التاريخ نفسهاتحتاج، طبعاً، للهدم وإعادة الترتيب بحيث يبدو متواضعاً كما يليق به. أقول ليكم: دعونا نأخذ بالعود الأبدي في مواجهة هذه التاريخانية المضجرة.
الضجر! أي خيار جمالي لايجدأساساً في الضجر، نسباً فيه، يجب على أن أضعه تحت الظن الظنون. إن كسر الإطار، محاولات مزج البورترية مع النحت، إعمال البارز في اللوحة التي أورثناها مسطحة بالحداثة، النحت في كل الجوانب، إعمال عناصر عادية تكتسب لدي تشغيلها الغرابة، وغيرها من أفاعيل علاء الدين، لايجب قصرها على ما إستطعناه، لا، إن الضجر وطأة التكرار وما يعد جديرة بإيماءة على الأقل، ومن يعرف
حقاً ما يستطيعه جسد؟
إننا لابد أن نكف الآن ناظرين للوحة نفسها، ماسحين وزر ما يجب مكتفين للوهلة بما ينجز. الجمالي الذي يبني في المعرفي والمعرفي الذي يبني في الجمالي وعلائق لانهائية. إن اللذة، حين العمل نفسه، حين فتح إمكان، هذا ما يلملمني، لفتحه طريقاً جديدا لموسيقاه. إنها اللوحة ذاتها.

مازن مصطفى
ملتقى دروب الفكرى

المقال ملكية خاصة بصاحبه.

ليست هناك تعليقات: