الجمعة، 15 يوليو 2011

كائن يختزن الألم - مقال عن فريدا كالو


كائن يختزن الألم


 بقلم: غادة خليفة

***
ما الذي أعرفه عن جسدي ؟
كل ما تعلمته أنني يجب أن أتجاهله دائماَ، إذا التوت قدمي في الطريق علىّ أن أنتظر قليلاً قبل أن أكمل طريقي رغم الألم، إذا اشتعلت الموسيقى فجأة واستبدت بي رغبةٌ عنيفة بالرقص في الشارع علىَّ أن أبتسم وأمضي، هكذا تعودتُ أن أسكن هذا الجسد دون أن أعرفه بعمق.
أبحث عن اللوحات التي تشبهني أو تشبه ما أعرفه عن جسدي، ذلك الكائن الذي يختزن الألم في صبر.

فريدا كاهلو *1 الفنانة المكسيكية التي تُعرِّي نفسها أمامنا داخل لوحات تتماس مع مناطق الوجع التي نرفض الاعتراف بها ونتجاهلها متعمدين .
نحن أمام فنانة استخدمت مفردة الجسد كي تعبر عن الألم الشديد
فريدا كاهلو الفنانة المكسيكية التي ترسم وهي غيرمهتمة بالتقنيات الفنية قدر اهتمامها بتوصيل مشاعرها وذاتها كما تخبرها أو تعرفها بعمق.

( كانت تهرب من واقعها عبر الرسم، فبواسطة حمّالة لوحات استطاعت تثبيتها على حضنها، وريش وألوان، اتّخذت من نفسها نموذجا وعلى غرار رامبراندت وفان غوغ، كانت تروي حياتها عبر تصويرها ذاتها .
لم يعد الرسم بالنسبة إلى فريدا بمثابة سعي إلى تطوير أسلوبها أو مسألة انتساب إلى الفن الطليعي، ولم تعد تهتم بالسريالية أو بالفن التجريدي، كانت تحكي في لوحاتها بشكل أساسي سيرتها الذاتية، فتستخدم تركيبةً بسيطة يحتل فيها الوجه حتماً الوسط ، لمسةً منتظمة، وضوءاً متساوياً.
أرادت بذلك رسم لوحات بديهية وبسيطة تذكّر بالرسوم الدينية )*2



في اللوحة رقم (1) تطالعُنا امرأة متخشبة قليلاً، نصفها الأعلى عارٍ تماماً ومسنود بدُعاماتٍ  حديدية كما لو كان آيلاً للسقوط، يبدو جسدها فخارياً بشقوقٍ خفيفة
وتبدو تنورتها السفلى كأنها مصنوعة من الجبس، يظهر ذلك في طريقة تلوينها وفي التضاد الشديد بين الفاتح والداكن في شبه غياب للهاف تون (درجة اللون الوسطى بين الداكن والفاتح ).
المسامير الصغيرة تؤكد هذا التصلب عندما تتناثرعلى سنونها الحادة بخلاف المسامير في الواقع التي تسقط بكامل كتلتها، الوجه هنا هو حامل التعبير وناقل حالة الألم المكتومة التي اتضحت من خلال الشفاه المغلقة بحزم والالتقاء الحاد للحاجبين المرسومين بقوة.
الدموع تظهر داخل العينين وخارجها وكأنها مجرد آثار جانبية محتملة،
مع ذلك ندين بقوة التعبير للعينين المرسومتين بخطوطٍ بسيطة ومحددة، الشروخ تتناثر في الوجه، أما الشعرالذي يعبرُعن المشاعر فهو أكثر الكتل انسيابية في اللوحة.
تبدو الخلفية منتمية تماماً لطبيعة اللوحة ، ضربات الفرشاة الحادة تصنع السماء والسحب بينما الأرض تظهر في الجزء الأكبر من الخلفية مُخدَّدة وكأن زلزالاً ضربها للتو.
الجسد هنا لا يشير إلى الحياة ولا يحتفى بالبهجة، الجسد المتكسر المتكىء على أعمدة خرسانية يعبِّرُ عن وجع مكشوف تماماً مثلما يبدو جسد هذه المرأة مكشوفاً.
ليس المقصود هنا إبراز الجمال والتناغمات في جسد المرأة كما كان فنانو عصر النهضة مثلاً يرسمون العاريات، ولكنه يكشف عن التشوهات العميقة للروح ، لقد تحول الجسد من أداة للوصول إلى أداه تعذيبٍ حية .



في اللوحة رقم (2) تبدو امرأة تتقيأ جسدها إلى أعلى، وتتضح تفاصيل هذه الكتلة المعجونة من اللحم فنري الجمجمة والأمعاء وخنزير صغير وسمكة ودجاجة خارجين من فم امرأة مثلما تخرج بالونة الحوار من فم رسومات الكوميكس.
تنظر لنا بقوة بينما يبدو جسدها متقلصاً في نسبٍ غيرواقعية، خطوط الملاءة تفصحُ عن بروز للبطن، وتبدو كتلة الشعر كثيفة جداً ومتسعة مقارنةً بالكتف ضئيلة الحجم، في اللوحة ترقد امرأةٌ على سرير خشبي وفوقها دعامة ما تحمل ما تبصقه في وجه العالم.
في الخلفية نجد الشمس مرسومة بخطوط حادة وتأثيرات وألوان تشبه البرتقالة
وحولها هالة الضوء المتخيلة، والقمر باهتٌ في الخلفية، يكاد يتماهى معها.
السماءُ ملونة بأزرق الصباح الفاتح، والأرض ممتلئة بالأخاديد، نقوش الملاءة المرسومة بعناية شديدة تتعارض مع خطوط بقية اللوحة العنيفة المؤَكَّدة بالظلال الداكنة جداً، لقد تخلصت من العالم كما يبدو داخلها ، أو هي داخل عميلة ترجيع للحياة ذاتها، الحياة المرفوضة داخل زمن حاضر دائماً ( الشمس والقمر ) .



في اللوحة رقم (3) ترسم الفنانة فريدا كاهلو نفسها داخل جسد وعل برىٍّ أو غزال مُنهكٍ يوشك على الموت، داخل غابة تطلُّ على البحر والأفق، نجد امرأةً بوجهٍ حزين وجسدٍ اخترقته السهام.
جسد الغزالة واقعيٌّ ومرسومٌ بدقة، والخلفية مرسومة بمنظور واقعي ساعد على إبرازه صف الأشجار المتتابعة، يبدو التأنق واضحاً في رسم تفاصيل الأرضية وأوراق الشجر، حركة الغزالة كأنها على وشك الوقوع والتهاوي الأخير، والدماء النازفة تدل على حداثة الجرح، وهي لوحة أقرب ما تكون للاتجاه السريالي وعالم الأحلام واللاوعي.

لقد اخترتُ امرأةً ثصرخ بقوة ، وتمتلك جسداً حيَّاً ، اختارت أن ترسمه بدلاً من أن تتجاهله ، فاستمعت إليه وحولته إلى ألوانٍ وخطوطٍ ومساحات.
لقد أحببتها وهي تصرُّ على رسم ذاتها مرةٍ بعد مرَّة ، أتصورُ كلَّ الآخرين الذين تركوا لها ملاحظاتٍ عن التكرار ... هذا التكرار نفسه الذي جعلها تحفرُ عميقاً داخل نفس المكان، كي يصعدَ لنا كلُّ هذا الجمال.

غادة خليفة
هوامش
*1  فريدا كاهلو  Frida Kahlo رسامة شهيرة ولدت في المكسيك سنة 1907 وتوفيت
      سنة 1954 في نفس المدينة   

*2   فيرونيك برات


المقال عرض بملتقى دروب الفكرى، جلسة 20 يونيو 2011

هناك تعليقان (2):

غير معرف يقول...

ثقافة الهزيمة .. عصابة البقرة الضاحكة 6‏

و فى حوار مع القيادى الأخوانى إبراهيم صلاح المقيم فى سويسرا منذ عام 1957 و نشرته جريدة المصرى اليوم فى 23 إبريل 2011 جاء فيه:

وما صحة ما نشرته بعض المواقع من أخبار عن رفض سويسرا عرضاً مصرياً لشراء بنادق قناصة وقت الثورة؟
- حدث بالفعل وحكاها لى أحد رجال المخابرات السويسريين فى حضور عدد من الشخصيات العامة، وقال أنه بعد أندلاع الثورة بيومين تقدم السفير المصرى فى سويسرا مجدى شعراوى، وهو صديق مقرب من «مبارك»، بطلب للحكومة السويسرية لشراء عدة آلاف من بنادق القناصة سويسرية الصنع بها تليسكوب يقرب لمسافة 1000 - 1500 متر، وجهاز يحدد المنطقة المطلوب أصابتها، وجهاز رؤية ليلية ويتم التصويب بدقة الليزر، وذخيرة مخصوصة وهى لا تُحمل باليد، ولكن لابد من تثبيتها على قاعدة ويُقدر سعر البندقية الواحدة بنحو 4000 دولار، ولكن الحكومة السويسرية رفضت الطلب.

الحكومة السويسرية أدركت كيف سيتم أستخدام تلك البنادق، وبالتالى رفضت أن يكون لها أى دور فى تلك العملية. و تحت عنوان " لواء شرطة : مبارك كان يتسلى بالشرائط الجنسية للفنانات" ...

باقى المقال فى الرابط التالى www.ouregypt.us

و المقال به معلومات هامة عن عمر سليمان.

Uouo Uo يقول...


thx

شركه تنظيف